الثعالبي
174
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما تفسير سورة البقرة ( 1 ) هذه السورة مدنية نزلت في مدد شتى ، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
--> ( 1 ) هذه السورة مترامية أطرافها ، وأساليبها ذات أفنان ، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن . فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان . وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها ، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها . وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام ، وسدى متين من فصاحة الكلمات . ومعظم أغراضها يتقسم إلى قسمين : قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس ، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم . وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة . يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين ، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده ، وانتظارهم لبيان مقصده ، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن ، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم ، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) [ البقرة : 23 ] الآيات . فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه ، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة ، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي ، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين - ابتدىء بذكرهم ، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء ، والمنافقين ، لف الفريقان لفا واحدا ، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة ، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم ، ورد مطاعنهم ، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بداء تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة ، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم ، فكان ذلك من رد العجز على الصدر ، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض ، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا ، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان ، فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي تقوم نوح ومن بعدهم ، ومنه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى ، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها ، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن ، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب ، لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل